graphic artists in the arab countries

"كايروكوميكس" الرابع يُعاند الحصارَ وتراجعَ الدور الجامع "بشرة زرقاء" وعودة إلى "النقطة صفر" ربّما تحمل الخلاص

القاهرة – جورج خوري (جــاد) 26 تشرين الثاني 2018 | 00:02
"إحنا بنزيد والفلوس بتشِحْ". عبارة لسائق تاكسي تتكرّر بأشكال مختلفة عند الجميع. وإذا سألتَ عن عنوان متحف محمود مختار للفن الحديث تواجَه بعلامة استغراب، فتوضح "نادي القاهرة الرياضي" الملاصق للمتحف فيتبرّع الجميع للإرشاد. ملاحظتان تختصران حال القاهرة 2018، من ضائقة مالية يرافقها تراجع الاهتمام بالثقافة لدى الباحثين عن لقمة العيش. هي أيضا ظروف النسخة الرابعة لمهرجان "كايروكوميكس" للشريط المصوّر الذي خرج من حرم الجامعة الأميركيّة في ساحة التحرير إلى فضاء متحف وطني. كأن المنظمين أرادوا الخروج من النخبوية إلى العامة، وإن شكلاً، وتأكيد استقلالهم عن سياسات المراكز الثقافيّة الأجنبيّة وإعلان خصوصيّتهم المحليّة وسط تراجع الدعم المالي وغياب الاهتمام الشعبي.

"كايروكوميكس" الرابع الذي كرّم السنة الفنّان المصري-اللبناني معلوف من الجيل الثاني لرسّامي الشرائط المصوّرة والمعروف بابتكاره شخصيّة "بومبة" الفتى المشاكس، تميّز بعناد المنظمَين (مجدي الشافعي ومحمد الشنّاوي) في الاستمرار وسط أزمة تمويل خانقة عكست نفسها في تراجع الإنتاج المحلّي وضعف حضور الخارج. عناد في إبقاء مكوّنات المهرجان من معارض فرديّة ولقاءات حواريّة وورشات عمل ومسابقة رسميّة، وإن تراجعت كمّاً ونوعاً ومساحة (صالة واحدة للمعارض الثلاثة المقدّمة). وحده الجهد الفريد لمحمد الشناوي في الحفاظ على الهويّة البصريّة التي امتاز بها المهرجان منذ نشأته، استطاع التغطية على الفجوات والتراجعات في التنظيم والمضمون. بالعكس، فإن المتجوّل في "سوق الكوميكس" عند الممرّ الداخلي للمتحف يُفاجأ بكثرة الزائرين من جيل الشباب، خصوصاً في الحفل الختامي الذي استضاف فرقة "دعسوقة" الموسيقيّة رافقها رسماً الفنّان مخلوف المساهم الصامت، بما يذكّر بانطلاقته في سنته الأولى قبل تراجع تدريجي في الإقبال، بما يؤشّر إلى استمرار حضور هذا الفن في أوساط هذه الفئة العمريّة. لكن هذا الحضور جاء مناقضاً للمشاركات من خارج مصر التي كانت خجولة إن لم تكن غائبة، وهو ما لم نعتده من المهرجان الذي فرض نفسه الملتقى الأكثر تعبيراً وتمثيلا للشريط المصوّر العربي الحديث.

قليلة هي الإصدارات من الروايات المصوّرة، بالمقارنة مع السنوات السابقة، والمعروض في "السوق" عند مدخل المتحف اقتصر غالبا على فنانين وكتّاب مصريين، وسط ظاهرة جديدة من الروايات الغربيّة المترجمة الآتية هذه المرّة من وراء سور الصين التي لا نعرف اهتمامها المفاجئ بسوق كتاب عربي. لافتٌ أيضاً غياب المنشورات العربيّة الصادرة حديثاً، التي نجدها في أسواقها المحليّة من دون مغادرة حدودها. المغرب العربي شبه غائب بإصداراته وفنّانيه. لبنان الذي وإن غاب كثير من كتبه (بسبب اللغة الفرنسيّة لمعظمها ربّما) ولم يشارك ناشروه المستقلّون في السوق، كان البلد العربي الوحيد الحاضر بناسه عبر وفد من طلاب الجامعة الأميركية في بيروت الذين انتقل صفّهم إلى القاهرة مع أستاذتهم لينا غيبة والفنان فؤاد مزهر وفي رعاية مبادرة الشريط المصوّر العربي التابع للجامعة، والحضور الفاعل للفنانة الناشطة رواند عيسى التي اقتحمت المشهد المصري إنتاجاً ومشاركة في ندوات وورشات عمل مذ قرّرت الاقامة لسنة كاملة.

غياب الجوار بدا كأنه تراجع لـ"كايروكوميكس" عن دوره العربي الجامع لحركة انطلقت من عنده مع بدايات الثورات العربيّة وانتشرت سريعاً لتشمل بلاد المشرق والمغرب على السواء حيث نشأت شبكة تواصل بين مجموعات الفنانين المنتشرين في الأقاليم تؤازر بعضها وتتضامن وتدافع بقوة عن هذا الفن الجديد الذي خرج أخيرا يعلن استقلاله فناً وإنتاجاً وسوقاً، وإذا بها اليوم تتقوقع داخل حدودها الوطنيّة وتسعى كل واحدة منها وراء أجندتها الخاصّة. أيام المهرجان غابت عنها بشكل لافت أسماء فنّانين مصريين بارزين بما يوحي بوجود تناقض في الاتجاهات بين مؤسسي الحركة الحديثة مثل "كوكب الرسّامين" بقيادة هيثم ومحمد رأفت السحت ومن يدور في فلكهما وأخرى طليعية مثل ميغو والفنان أنديل الذي قرّر اللجوء خارج البلاد هرباً من المضايقات. الغياب العربي يعود أيضاً إلى تراجع الموازنة المخصّصة للدعوات. فمن جاء من الخارج من الفنانين الأجانب، وهم قلّة أيضاً، استقدمتهم مراكزهم الثقافيّة التي اقتصرت مساهماتها على دعم عينيّ كتقديم صالة لورشة عمل (مركز ثرفانتس الإسباني) أو مكان لاستضافة عمل لجنة التحكيم (المعهد الفرنسي) فيما انسحبت أخرى عن مشاركتها السنويّة (معهد غوته) تاركةً المنظِّمين لتدبّر أمورهم.


في هذا السياق شاركت الفنانة الفرنسيّة لوسي كاستيل ومعها كاتبا السيناريو غريغوري جاري ونيكول أوجيرو في المعرض الذي رافقهم وضمّ رسوماً أصليّة من "رحلة في مصر والنوبة لجيوفاني بيلزوني" المستوحاة من رحلات العالِم الإيطالي الذي اكتشف آثارا نقلت إلى مدن أوروبيّة عدّة. وتقول كاستيل إن استخدامها لرسوم أصليّة لفنّانين من جيل المستشرقين في عملها هو "محاولة وإن رمزيّة لإعادة الآثار المسلوبة إلى موطنها الأصلي وتوزيعها على كل القرّاء في العالم". أسلوبها جمع بين الرسم الحرّ وتقنيّة الحفر الكلاسيكيّة، ما منح العمل فرادة في الشكل. وانضمّت إلى الفنان الإسباني ألبارو أورتيث (أشرف على ورشة عمل أثناء المهرجان) في إحياء المحطّة اليوميّة لـ"الفنّان يعمل" أحد أبرز محطّات المهرجان، وهو تقليد سنوي أصبح علامة فارقة أصرّ المنظمون على إبقائه ويقوم على أن يرسم الفنّان أمام الجمهور لتعريفه إلى تقنيّاته الخاصة وطرق معالجته للشريط المصوّر من زاويته.

الجديد العربي المطلّ من بوّابة القاهرة كان الفنان الأردني لطفي زايد الذي استضافه المهرجان في معرض وحوار مع الجمهور وجاء حاملاً معه العدد الأول من مجلّة "فنزين" التي انضمّت والفنّانين المشاركين فيها إلى قافلة المجموعات الرافعة رايات الحداثة والتجريب في الشريط المصوّر في عالمنا. الفكرة انطلقت بعد ورشة عمل أقامها الفنان الأميركي بيتر كوبر مؤسس المجلّة التجريبيّة "الحرب العالميّة الثالثة" في عمّان واستمرّت بإنشاء المجموعة التي حملت إسم المجلّة وضمّت من الفنّانين في صفحاتها العربيّة هبا واصف، هيا حلاو، رنا جريس، إبراهيم عواملة، خالد نهار، سامان سرهنك ولطفي زايد. يتميّز عمل زايد بأسلوبه البسيط القريب من الطفوليّة تزيّنه ألوان زاهية خادعة تتناقض دائماً مع المضمون الذي يحمل في الغالب نهايات عنيفة وصادمة. رسالة وقحة ضد الخطاب الخشبي والتقاليد البالية بسخريّة سوداء يبرع في اختصارها بصفحة واحدة.

جائزة لجنة التحكيم الكبرى نالها محمد صلاح من مصر، الفنان الشاب الذي بدأ يتألّق في مجال الرواية المصوّرة القصيرة، وها هو يحصد بعد سنة من حصوله على جائزة محمود كحيل 2017 جائزة المسابقة الرسميّة عن روايته "الدليل الاسترشادي المرسوم لأصحاب البشرة الزرقاء". يتناول صلاح موضوع الآخر المختلف ومعاناته داخل محيط من لون واحد ونظرة هذا المحيط الرافض التمايز. عبر تقنيّة بدت أكثر مراساً وأسلوب خاص كان بدأه تقليديّاً فذهب به إلى التجريب، وصل إلى امتلاك لغته البصريّة الخاصّة وتعبيرية سرديّة ابتعدت عن الثرثرة الكلامية متبنّياً مثل أبناء جيله حروفيّة متحرّرة من القوالب تنسجم وأسلوبه في الرسم.

إلى محمد صلاح فاز عملان آخران في المسابقة الرسميّة التي استبعدت الأعمال غير الناطقة بالعربيّة على أهمّيتها، وهنا تذكير بعمل الفنّان الجزائري المميّز سليم زروقي "كيفيّة التخلّص منّا من أجل عالم أفضل". وكأن المنظمين أرادوا توجيه رسالة واضحة إلى الفنّانين الشباب بأن استمرار الحركة الحديثة وتمايز موقعها على الخريطة العالميّة مرتبط بهوّيتها اللغويّة وتوجّهها إلى مجتمعاتها قبل غيرها وإن كان بعضها يتميّز بازدواجيّة لغويّة وثقافيّة مثل لبنان أو تونس. من مصر أطلّ الفنّان "توفيج" أكثر الفنانين الشباب خروجاً عن المألوف أسلوباً ومضموناً في سلسلة "توفيجيّات"، ومن تونس الثنائي كمال زاكور (رسم) وعبير قاسمي (سيناريو) عن "نقطة صفر". ثنائي من مجموعة "مخبر 619" التونسيّة المتميّزة بتجربتها الاختباريّة. سيناريو استبعد الحوار أساساً للعمل ورسوم متمرّسة في السرد البصري وأسلوب متمكّن يحاكي العالميّة. عملان لافتان لم يلقيا حظوظاً وجب ذكرهما. الأول "خنزؤووور" للفنان الناشئ محمد السيّد (مصر) لشخصيّات تحاكي الحياة المصريّة عبر "خنزير وديك وكيوبيد بما يحملونه من تناقض في رمزيّتهم تشبه التناقض الذي أشاهده في واقعي اليومي". أسلوب رسم استفزازي يذكّر بـ"الأندرغراوند" الأميركي ومضمون وقح وصادم لمجتمعاتنا ومحرّماتها. أما المشاركة الثانية فهي للفنان معزّ طوبية من تونس بعملين "العمارة" و"أمل" يتناولان بنقد حادّ فكر التيّارات السلفيّة وممارساتها ومحاولات تأثيرها في المجتمع خصوصاً في تونس التي لا يزال التيّار العلماني يتصارع فيها مع الإسلاميين.

"كايروكوميكس" الرابع عاند في أيّامه الثلاثة الضيق والحصار وتَفرُّق فنّاني الانطلاقة الأولى سواء بسبب الاختلاف أو الهجرة أو انكفاء المجموعات العربيّة المساندة داخل أوطانها. وإذا شكّلت النسخة الحاليّة تراجعاً عن الدور العربي الجامع فإنه وبعصا الشافعي والشنّاوي السحريّة استطاع إبقاء الدور المتميّز للقاهرة في عالم الشريط المصوّر العربي.

دور ربّما وحدها مصر تستطيع استعادته ولعبه، وإن بعد حين.
Source