graphic artists in the arab countries

لا نعي علي جلال

هذا المقال ليس رثاءً حزينًا لفنان شاب رحل فجأة عن عالمنا. كما أن المفارقة بين «لا نعي» في العنوان واحتمالية تأويل «نعي» بمعنى «نفهم» مقصودة.

هذا المقال محاولة لتوثيق الشعور الأقوى الذي استحوذ علَيّ فور سماعي بخبر وفاة «علِي جلال» المفاجئة، وهو شعور عميق بعدم الفهم، شعور محوري في علاقتي بـ علِي وفنه وشخصيته، وأدعي أنه شعور محوري في علاقة البشر بالفن والفنانين عمومًا، وبالحياة.

لغز وفاة عَلِي كان أكثر سطوة من الشعور بالفقدان، عجزي عن تفسير معنى اختفائه في هذه اللحظة كشف لي ضعفي وضآلتي أمام الكليشيه الأشهر في تاريخ الإنسانية، الموت، هذا الشعور بعدم الفهم الذي سرعان ما حاولت استبداله بمشاعر أخرى أكثر أُلفة، أُجيد التعامل معها، كالحزن والخسارة والاشتياق، ولكن باءت محاولاتي بالفشل، فكلما أمعنت التفكير في عَلِي كلما وجدت ابتسامة بلهاء ترتسم على وجهي وشعور مضحك بالسذاجة والتغفيل. أفهم الآن لماذا تراود الناس في المآتم رغبة عارمة مكبوتة في الضحك.

علِي هو رسام كوميكس وفنان معاصر نشط بشكل أساسي على الإنترنت. بدأت أعماله في الانتشار منذ عدة سنوات من خلال شرائط كوميكس قصيرة ذات انتشار ملحوظ تزاحم ميمز الإنترنت الشعبية مجهولة المصدر، وتحاكي لغتها المتشظية والعشوائية، بينما تتحداها بوزن تشكيلي مُفرط في الحساسية في نفس الوقت. الانطباع الأشهر عن كوميكس علِي هو ألوانها الزاعقة المُلفتة للنظر، اعتمادها الجريء وغير الخجول على تقنيات الكمبيوتر المبتذلة من لمعانات مزيفة وتأثيرات مكررة وشفافيات وبكسلة وما شابه، بالإضافة لما بها من كوميديا سوداوية تصل لحد الدموية الجروتيسكية في كثير من الأحيان.

التفصيلة الأكثر إثارة للاهتمام بالنسبة لي في قصص علِي القصيرة المفاجئة هي دور السرد. في كوميكس علِي يتم استخدام النسق المعتاد للحكي (بداية- وسط- نهاية) في خلق نسخ مشوهة من حواديت تبدو عديمة الهدف والغاية، يستدرجك علِي عبر هذا البناء التصاعدي لتجربة تحاكي القصص، ولكن دون الالتزام التقليدي بـ«حكمة» القصة أو الانشغال التربوي بإيصال مغزى ما. ينجح علِي بحرفية شديدة في إشعار المشاهد بالذروة القصصية أو تصاعد النهاية الأسطوري فقط من خلال انشطار بصري لشخصية أو تحولها لشيء آخر أو فقط بوسم المشهد بأكثر تعبير كليشيهي ممكن أو متوقع في كادر النهاية، يبدو كل هذا منطقيًا ومألوفًا للغاية في عالم علِي جلال، كما يبدو شديد الخصوصية والتفرد.

علَى إنستجرام كان علِي يشارك سكيتشات سريعة مرسومة بالقلم الأسود على أوراق المذاكرة، دائمًا ما كانت هذه الرسوم تُغرقني في بحور من التأمل، تبدو للوهلة الأولى مجرد شخبطة لكن شيء فيها يجعلها تبدو بالتأكيد أكثر من شخبطة، تكوينات شديدة التعقيد أحيانًا وشديدة البساطة أحيانًا أخرى، رموز مثقلة بالدلالات في أوضاع غير مفهومة، ولكنها تبدو مقصودة جدًا، أجسام بشرية في لحظات تحوّل مورفولوچي، ومشاهد أيقونية لمواجهات مع الآخر ومع النفس، كلمات مبروزة وحروف سميكة تُعلن عن أشياء بثقة متناهية، كأنها شفرة ما أو رسائل من عالم آخر.

أتأمل الرسوم وأسرح طويلًا في محاولة فك رموزها، وأشعر أنها رسائل مهمة جدًا، وأجد نفسي أحمّلها بانشغالاتي أنا الشخصية وما أريده أن تقصد، أسأل علِي مرارًا وتكرارًا عما يعنيه ويقول ببراءة أنه لا يعرف ما يعنيه، هي فقط أشياء يراها في عقله ويدونها على الورق دون كثير من السيطرة أو التحكم.

بشكل سطحي يبدو أن علِي غير معني إطلاقًا بمعنى ما يحدث حوله وغير طامح للاستفادة من هذا المعنى أو البناء عليه أو استنباط الحكمة أو الغرض من ورائه، البشر وأدوارهم الاجتماعية وأحداث الحياة الكبرى يظهرون في رسومه كانعكاسات تهريجية لحالة بهلوانية من التمثيل الكوميدي أو اللعب؛ شنبات وبدل وفساتين وألوان بشرة ووظائف وانتماءات طبقية وثقافية، انفجارات وجرائم وانهيارات عاطفية ولكمات كلها في عالم تبدو كمجرد أداءات وتباديل وتوافيق، ولكن مع نظرة أطول تعثُر في داخلها على انطباعات شديد الخصوصية والصدق، تهريج علِي ليس نوعًا من العدمية أو الانفصال عن الواقع أو مداراة خواءٍ ما وراء قهقهة زاعقة جبانة، فالواقع بكل آلامه حاضر في رسوم علِي بقوة شديدة، وعين علِي الغارقة في تأمل ما يدور حوله من مسرحيات دومًا ما تفضحه.

في رسومه أرى إشارات لأصناف من المعاناة، وأمثلة مختلفة من القسوة المتبادلة وألاعيب القوة والإخضاع وعذابات النفس، أرى طموحات وأحلام بمثاليات غرائبية هيستيرية وكمال أعمى، أرى شخوصًا مستنسخة ومقولبَة وأخرى تجاهد في صناديق ضيقة. أرى تساؤلات علِي وتأملاته حرة طليقة في أعمق صورها اللاوعية، دون خطابية ولا نصح، ودون يقين.

في وقت كان المشهد السياسي والثقافي في مصر يعتصر نفسه للعثور على معنى لما يحدث من عبث ويحاول بناء سردية جماعية قادرة على الإلهام والمقاومة والتغيير والبلابلابلا؛ بحث أفضى بالكثيرين لأعتاب الجنون أو اليأس بينما الجميع مضطرون لابتلاع قصة سخيفة ثقيلة الظل عن واقعهم، كان علي يراقب في صمت بابتسامته الهادئة ويفرغ هلاوسه على إنستجرام، وكان لهذه الهلاوس سحر لا يُقاوم.

رغم سنه الصغيرة اشترك علي في أكثر من مشروع ولعب أدوارًا فنية مُلهمة، أسس مجلة كوميكس أونلاين، خلق شخصيات ارتبط بها الجمهور، رسم لمؤسسات صحفية -منها «مدى مصر» على سبيل المثال- غيّر اسمه الفني عدة مرات وتلاعب بالجماهير من خلال الإنترنت. الواقع العبثي في أعمال علي جلال لم يكن لعبة يُرضي بها السوق ولا ذلك التظاهر المبتذل الشهير بالجنون الذي دائمًا ما يمارسه أنصاف الفنانين ليبدون أكثر إثارة للاهتمام، لكنه كان امتدادًا حقيقيًا لعلاقته هو العبثية مع الحياة ومقتضياتها العادية، لم يبدو أبدًا معنيًا بالتراكم أو الانغماس، كان يترك الأشياء فور شعوره بالملل، وكان أبدًا غير مشغول بتقديم نفسه للمجتمع كفنان موثوق فيه أو لاعب فاعل في مسارات توزيع المال. توسلتُ إليه أن يعرض لوحاته للبيع أو يتواجد في المشهد الفني بشكل أكثر جدية وكان دائمًا يبتسم ويقول: مش عارف!

أتذكر الفترة التي رسم فيها علي لـ «مدى مصر» كفترة شديدة التدليل على هذه العلاقة العبثية بين علي والعالم. كان وجوده في «مدى» فرصة جيدة جدًا لتوسيع مساحة ما هو مقبول كـ «رسم صحفي» وتجديد مكونات هذا الفن الذي صبغته المؤسسية الحكومية الصحفية المصرية والخوف المعتاد من التجريب بروح عجوزة مملة وأدوار كليشيهية شديدة التقزم، أعمال علِي الساخرة من نفسها ومن حالة التلقي ذاتها قبل أي شيء آخر كانت في رأيي صدمة إيجابية لزبون الصحافة «المهنية»، وزوبعة تساؤل حول فكرة المهنية تلك والمصداقية والصوابية عمومًا. جرأة عَلِي في السخرية من إشكاليات الهوية والأعراق والفقر والسلطة كانت مذاقًا جديدًا؛ لا هو في معسكر الصوابية السياسية الأخلاقي ولا هو في معسكر الرجعية المرتعدة من التغيير. علِي كان في مكان آخر تمامًا، مكان لا يتظاهر بالفهم ولا امتلاك حلول، مكان محتفي بالغموض والغرابة والتفكك التام، وكنت دومًا ما أحقد على قدرته على التحرر من كل هذه التوقعات بكل نعومة وروشنة.

بالطبع، لم يمتد تعاون علِي مع «مدى» أكثر من بضعة شهور أنهاها بنفسه واختفى فجأة دون أسباب مقنعة أو مفهومة، أسلوب تعودت على قبوله منه مع الوقت، وهو تقريبًا نفس الأسلوب الذي اختفى به من الحياة برمتها.

أنا لست شخصًا غيبيًا، ولا أؤمن بالميتافيزيقا، وأعرف أن هيبة الموت قادرة دومًا على إخضاع البشر وكسر كبرياءهم وإجبارهم على قبول ما لا يريدون قبوله. موت شخص كـ علِي فجأة في هذه السن الصغيرة للغاية هو بلوت تويست plot twist شهير ولحظة كليشيهية جدًا فلابد كالعادة أن يختطف الموت المبكر إنسانًا يشهد له كل من يعرفه بشخصية شديدة النقاء والملائكية، شخص فعلاً كانت تشع منه حالة غير مفهومة من التسامح مع الحياة والراحة رغم معاناته الدائمة معها، شخص مترفع بحق عن كل ما يتنافس فيه المتنافسون، لا يبدو معنيًا بشيء سوى مشاهدة الحياة والضحك، ابن موت حرفيًا كما يقول التعبير المصري الشهير.

إلا أني لا أرى وفاة علي كفاجعة ولا ميلودراما، وهذا ليس تحديًا للقدر ولا رغبة في البحث عن الأمل في اللحظة الحزينة. أنا فعلًا غير مستوعب حتى الآن وفاة علِي ولا أعرف ما هو الدرس المستفاد من هذه القصة، ويُخجلني كوني ما زلت أبحث عن الدرس المستفاد والتوظيف البنّاء لهذه المفاجئة، رغم ما يبدو لي الآن من محاولات متكررة مهذبة من طرف علِي للتلميح من خلال أعماله وقصته الشخصية في الحياة أنه لا يوجد درس مستفاد ولا نيلة وأن الموضوع كده وخلاص.
Source