«مدار» يولد من رحم الحرب
أهمية المشروع
توضح منظّمة المهرجان، المخرجة المسرحية يارا الخوري، أن قرار التأجيل جاء نتيجة تقييم مستمر للوضع: «مع اندلاع الحرب وتفاقمها، أخذنا فترة توقف قصيرة لإعادة التقييم ومعرفة ما ينبغي فعله». إلا أن هذا التوقف لم يدم طويلاً، إذ سرعان ما اتُّخذ قرار جماعي بالاستمرار في تنظيم المهرجان، انطلاقاً من قناعة راسخة بأهمية المشروع.
بالنسبة إلى الخوري، لا يمكن فصل المهرجان عن سياقه. فهو، كما تقول، «وُلد من هذا الواقع»، وتعود جذور فكرته إلى الحرب السابقة، حين كان يُفترض أن تقدّم عملاً مسرحياً في «مسرح المدينة»، قبل أن تتوقف العروض فجأة. وقد طرح هذا التوقف سؤالاً جوهرياً: من يقرّر متى يتوقف الفن؟ ولماذا يُجمَّد دور الفنانين في لحظات قد تكون الأكثر حاجة إلى وجودهم؟ من هنا، جاء مهرجان «مدار» كمحاولة لاستعادة هذا الدور، وإعادة التفكير في وظيفة الفن وسط التحولات العنيفة التي يعيشها المجتمع.
تشير الخوري إلى أن الحرب لا تفرض دماراً مادياً فحسب، بل تُحدث أيضاً انقطاعاً في العلاقات الاجتماعية، وتخلق شعوراً عاماً بالخوف والهشاشة. من هنا، يأتي المهرجان كمحاولة لكسر هذا الانقطاع، عبر خلق مساحة لقاء تمتد على ثلاثة أيام، لا تقتصر على العروض الفنية، بل تشمل أيضاً العيش المشترك، من طهي الطعام، إلى العمل الجماعي، وتبادل الأفكار، والاستماع إلى تجارب الآخرين، خاصة أن عدداً من الفنانين المشاركين اضطروا إلى ترك منازلهم، ولم تعد حياتهم مستقرة أو آمنة.
برنامج منوّع يقوم على الأداء
يطرح «مدار» نفسه كمساحة بديلة في ظل محدودية الفرص المتاحة لفناني الأداء خارج المركز، وتضيف الخوري: «إذا لم تكن الفرص موجودة، فعلينا أن نخلقها بأنفسنا». ومن هذا المنطلق، يشكّل المهرجان التزاماً جماعياً، ليس فقط من قبل الفنانين، بل أيضاً من العاملين في المجالين التقني والمسرحي، بعدم التخلي عن هذه الفرصة والمضي بها حتى النهاية.
يقدّم «مدار» برنامجاً يركّز على المسرح التجريبي والرقص المعاصر، مع اهتمام خاص بحركة الجسد والمسرح الحركي. وهو موجّه بشكل أساسي إلى الفنانين في بدايات مسيرتهم، مع السعي إلى خلق حوار بينهم وبين فنانين أكثر خبرة، بما يتيح تبادلاً فنياً بين الأجيال.
ويضم برنامج المهرجان عرضاً قيد التطوير لبسام أبو دياب، وعرض «طيري يا طيّارة» للفنانة لين الجبة، وعرض تهريج معاصر لحسين العبد الله، وعملاً مسرحياً حركياً لباميلا الحايك، إضافة إلى عرض للخوري بعنوان «وحدنا تحت الشمس نمشي».
ولا يقتصر البرنامج على العروض، بل يمتد ليشمل ثلاث ورش عمل فنية، ومحاضرة، إلى جانب جلسة نقاش رئيسية تحمل عنوان مهرجان «الفن في زمن عدم اليقين». هذا العنوان، الذي اختير منذ عام 2024، لا يزال، بحسب المنظّمين، يعكس الواقع الحالي بوضوح متزايد.
وتجمع الجلسة عدداً من الأكاديميين والفنانين، من بينهم مؤسس مسرح الدمى الباحث كريم دكروب، والممثل والمخرج المسرحي فائق حميصي، والباحثة رويدا الغالي، ومؤسس «دار أنانا» الشاعر مكارم غصوب، وتديره الصحافية سناء الخوري. يخصّص المهرجان مساحة للاحتفاء بإرث المسرحي الراحل منير أبو دبس، خصوصاً أنّ الفعالية تُقام في «بيت الفريكة» الذي أسسه أبو دبس. ويُعدّ الأخير من أبرز رواد المسرح التجريبي في لبنان، وقد أسّس مدرسة فنية أثّرت في أجيال من الفنانين، من بينهم أنطوان كرباج.
كسر احتكار العاصمة
اختيار الفريكة ليس تفصيلاً عابراً، بل جزء أساسي من رؤية «مدار». فالمهرجان يسعى إلى كسر المركزية الثقافية لبيروت، التي تهيمن على المشهد الفني، ونقل التجربة إلى مناطق غالباً ما تُهمَّش ثقافياً. وتقوم الفكرة على أن يكون المهرجان متنقّلاً في السنوات المقبلة، إذ يُقام كل عام في منطقة مختلفة.
وحتى لو لم يكن المسرح التجريبي أو الرقص المعاصر مألوفَين في هذه البيئات، فإن ذلك لا ينفي أهميتهما، بل قد يفتح المجال أمام تجارب جديدة. وتؤكد الخوري أن المناطق التي اعتادت الفنون التقليدية أو الفولكلورية قادرة أيضاً على استقبال أشكال فنية مختلفة. هذا التوجّه لا يأتي من موقع «نقل الفن إلى القرى» بشكل فوقي، بل من تجربة شخصية أيضاً تقول الخوري، إذ إن العيش خارج المركز لا يعني الانفصال عن الفن، بل يستدعي إعادة ربطه بالحياة اليومية.
وقد انعكس هذا البعد المحلي في التفاعل الإيجابي من أبناء المنطقة، إذ جرى التعاون مع عائلة منير أبو دبس التي أبدت حماسة لإحياء المكان، إلى جانب تواصل مع فعاليات محلية، من مختارين وبلديات، ومبادرات ثقافية مثل «دار أنانا».
ولا يغيب البعد المجتمعي عن المهرجان، إذ يتضمن سوقاً للحرفيين يشارك فيه أبناء الفريكة والمناطق المجاورة مثل بيت شباب، لعرض منتجاتهم اليدوية من كروشيه وفخار وأعمال خشبية، في محاولة لربط الفن بالمحيط الاجتماعي وتعزيز حضوره في الحياة اليومية.
* مهرجان «مدار»: 11 و12 نيسان (أبريل) – الساعة 11 صباحاً - «بيت الفريكة» (الفريكة، المتن الشمالي)
Source

