graphic artists in the arab countries

شحاذون نبلاء: عن الصعلكة في المدينة

هناك لحظات ممتعة في الحياة, مهما كانت الحياة لعينة وقاسية وكئيبة وظالمة وعبثية, لكن لا يمكن إنكار أن هناك لحظات بالفعل عبارة عن سعادة ومتعة نقية خالصة, وبالنسبة لي تلك اللحظات الشحيحة ترتبط بوصول دماغي لحالة إتزان كيميائي نادرة أجهل تماما ما هي العوامل التي تتدخل فيها لتنقلني إلى عالم السعادة, البعض يقول أن الحشيش يدخل إلى ذلك العالم دون إذن, البعض الآخر يقول أنها الشيكولاتة, هي التي تظبط الكيمياء والهرمونات وباقي عناصر الجدول الدوري, وبالنسبة لي لا أستطيع القول ولا أستطيع التوقع, بعض الأشياء لا تعمل كل مثل مرة على نفس المنوال, وإنما هي لحظات كونية زمكانية متفردة لكل منها معادلة خاصة لا تتكرر, وعلى سبيل المثال بعض الأحيان أشعر بمتعة عندما ألقي بقطعة من طعامي إلى كلب أو قطة من ضوال الشارع, وأحيان أخرى لا أشعر بأي أحاسيس على الإطلاق, بعض الأحيان أحلق في السماء مع سماع قطعة من الموسيقى, ثم لا ألبث أن أمل منها, أيا كان الأمر, أعتذر عن المقدمة السخيفة وكل ما أردت قوله أنني عشت لحظات طويلة من تلك المتعة البيور الساطعة مع رواية مصورة وقعت تحت يدي مؤخرا وعنوانها "شحاذون نبلاء".
بعضكم سمع هذا الاسم من قبل, نعم, فالعمل مأخوذ عن رواية تحمل نفس الاسم للأديب المصري الفرنسي الكبير "ألبير قصيري" نشرت عام 1955, وتحولت إلى فيلم شديد الجمال والعذوبة عام 1991 من بطولة الثلاثي "صلاح السعدني" و"محمود الجندي" و"أحمد آدم" في واحد من أفضل أفلام السينما المصرية على الإطلاق.

(مقطع من فيلم شحاذون ونبلاء 1991 إخراج أسماء البكري: https://www.youtube.com/watch?v=ceh9GWaFbWo)

عن ذلك الرجل الغرائبي "ألبير قصيري" تقول الكاتبة "إسراء النمر" في مقال شديد الإمتاع نشر في جريدة "أخبار الأدب": "ألبير قصيري، الذى ولد عام 1913، وعاش فى حى الفجالة، يعرف جيداً رائحة الأزقة، وسحرها، يعرف الطرقات، والبنايات، يعرف أن البشر هُنا معجونون بالألم، ولأنه لم يكن طفلاً عادياً، إذ كان يدرك أنه سيصير كاتباً منذ كان فى العاشرة من عمره، كان لا يمر عليه شيء، سواء كان كلمة، أو حكاية، أو مشهدا، إلا ودقق النظر فيه، حتى استطاع أن يكون له قاموسه الخاص، قاموس لايتضمن فقط المصطلحات المصرية، بل والمشاعر أيضاً، إذ كان قادراً تشكيل شخصياته، كما لو أنه التقى بهم أمس، كان يعرف أيضاً أن الطريقة الوحيدة لفهم الحياة، هى اللهو، فكان يقضى وقته فى التسكع، وفى خوض التجارب، وهذا ساعده على الاحتكاك المُباشر بالناس، خصوصاً البسطاء، وهذا ما كان سيحدث أبداً، إن لم يفعله بنفسه، لأنه ابن عائلة ارستقراطية شامية أرثوذكسية، ليس من بين قوانينها هذا."

(مقال إسراء النمر: ألبير قصيري.. وحيدٌ كجثة جميلة في يومها الأول بالقبر.. https://adab.akhbarelyom.com/newdetails.aspx?id=464014)

بهذه الروح شديدة الرهافة والفضول والتشرد كتب "ألبير قصيري" روايته "شحاذون نبلاء" –البعض يترجمها شحاذون ونبلاء, والبعض يترجمها شحاذون ومتعجرفون, لكني أرى الترجمة الأولى هي الأقرب لعنوان الرواية الفرنسي الأصلي Mendiants et Orgueilleux-, ويدلل على ذلك ما ذكرته "إسراء" أيضا في مقالها نقلا عن "قصيري": "من الممكن أن تجد نفسك شحاذاً، أو فقيراً، لكن عليك أن تتمتع بالنُبل، وألا تفقد احترامك لذاتك".

الرواية تقع أحداثها عشية إلقاء القنبلة الذرية الأمريكية على مدينتي "هيروشيما" و"ناجازاكي" اليابانيتين ليسدل الستار على الحرب العالمية الثانية, وتتجول داخل أحياء القاهرة الشعبية متتبعة مسارات ثلاث شخصيات رئيسية عبثية هم: "جوهر" مدرس التاريخ المتقاعد الذي يعيش حياة شديدة التقشف والزهد, و"الكردي أفندي" الموظف الثوري الباحث عن المثالية, و"يكن" الشاعر الصعلوك وتلميذ "جوهر" شديد الإخلاص. يقع حادث غامض, حيث تقتل فتاة ليل داخل ماخور وتشير أصابع الإتهام للجميع, ويتم إسناد التحقيق للضابط "نور الدين" الذي يبدأ رحلة طويلة للبحث عن الجاني تمضي بالتوازي في رحلة داخل ذاته للبحث عن ما هو أهم عن البشر والحياة.
وفي ثمانين صفحة من الفخامة ذات القطع الكبير, تحولت الرواية بسطوة شعبية وعبثية فاحشة إلى "رواية مصورة" على يد أحد أباطرة فن الكوميكس, الملك الصعلوك "جولو", حيث قام بعملية تحويل على أعلى مستوى من العظمة لنص الرواية إلى نص جديد متناثر عبر كادرات ورسوم ملونة شديدة الجمال, زاوجت بين خيال "قصيري" العابث, وبين تجربة "جولو" في العربدة داخل أدق تفاصيل الحي الشعبي المصري عبر العقود الأربعة الماضية.

عن الفنان "جولو" تحكي "يارا سامي" في قطعة مكتوبة بعناية لموقع "روز اليوسف": " هو الفنان الأكثر تعبيرًا عن الطابع المصرى فى أعماله ورسوماته، صحيح هو فرنسى الجنسية لكنه مصرى الهوى.. ترك موطنه الأصلى فرنسا ليتردد على مصر طوال الـ 40 عاما الماضية وليقرر الاستقرار بشكل نهائى لمدة زادت على 20 عاما.. عشق الأحياء الشعبية المصرية ونقلها بحذافيرها فى كل رسومه.. تأثر بحفاوة وترحاب المصريين به فقرر أن يكون واحدا منهم.. احتضنته مجلة «صباح الخير» و «مؤسسة روزاليوسف» فى السبعينيات ومنحته فرصة النشر والتعبير.. أحب فريق العمل بها وحمل العديد من الذكريات الجميلة مع عمالقة الكاريكاتير جورج بهجورى وحجازى."
تنحي الرواية مظاهر القاهرة الكزموبوليتانية والكولونيالية في تلك الحقبة جانبا, وتركز على أحط قيعان المدينة, لا مظاهر لقاهرة متلألأة مليئة بالأوتومبيلات والقصور والبشوات والبهوات والهوانم, ولا نواد ليلية أو شوارع واسعة أو متاجر تعرض أحدث خطوط الموضة, لا بارات ولا شلالات من الويكسي الباهظ أو الشامبانيا الفاخرة, لا ملك "فاروق" ولا مندوب سامي بريطاني, ولا مجلس نواب أو ساسة وفديين متأنقين ومفوهين مثل "النحاس باشا". وتستبدل كل ذلك بمقاهي شعبية, وحواري ضيقة, ومصريين فقراء, ومزاج من لفافات الحشيش, وليالي تحت ضوء القمر, وفي حجرات المواخير, ونهارات تسقط فيها الشمس على أكوام القمامة وبرك المياة الآسنة في الحواري وعلى أقفية الشحاذين والبائعين الجائلين, أو تحتجب فيها عن حجرات أقسام الشرطة تحت وطئة ضخامة المخبرين وثقل قبضات أيديهم الغاشمة وهي تتطوح يمينا ويسارا لاستخراج الاعترافات من المتهمين بقتل فتاة الليل "أرنبة" التي وجدت مقتولة في ماخور الست البدينة.

ما جذبني إلى العمل بشدة ليس فقط حالة العبث التي يعيشها أبطال القصة, كشخصيات مثالية مغرقة في الخيال الفوضوى, على شاكلة "جوهر" أستاذ التاريخ والجغرافيا الذي كان يمكن له أن يعيش حياة كريمة ويحظى بمكانة راقية في هذا الوقت بمساعدة علمه الغزير ومشواره الوظيفي والأكاديمي الذي شهد نجاحا كبيرا ذات فترة, إلا أن شعر الرجل في قرارة قلبه أن التاريخ يتم تزويره طوال الوقت, والجغرافيا كذلك, وأن ذلك التزوير سيستمر إلى الأبد وأنه لا طاقة له بمقاومة ذلك, ولذلك يقرر أن يعتزل التدريس ويمضي هائما, مخلصا لتدخين الحشيش, ولحياته شديدة البساطة والتقشف, ينام في غرفة قديمة على فراش من أوراق الجرائد, يهجر الأكاديميين والمثقفين والمنتمين للطبقة العليا, ويمضي أيامه هائما في الحواري الشعبية والمقاهي القديمة, يصاحب أمثاله من العبثيين على شاكلة "الكردي" و"يكن", ويأتنس في المواخير, وفي إقامة صلات إنسانية مع أشباه البشر مثل جاره الرجل "الجذع" –رجل فقير بدون ذراعين أو ساقين يسكن مع زوجته سليطة اللسان, يسمح جوهر صياحهم دائما, إما بسبب الشجار, وإما بسبب الجنس اللذان يمارسانه بغرائبية وشهوانية صاخبة-, لا يكترث لشيئ, ومن حين لآخر تظهر ابتسامته الهادئة وصراحته المغرقة في الصدق الجنوني, متسقا مع نفس الأسلوب العبثي الذي ارتضاه لحياته, لدرجة أن العديدين لا يصدقونه بينما يخبرهم هو الحقيقة طوال الوقت. ومن هنا تتحقق فرضيته, البشر يريدون من يزور لهم الكلام والحقائق طوال الوقت, يريدون من يكذب عليهم ويسمعهم ما يريدون سماعه, وهذا ما يشعرهم بالطمأنينة.
ما جذبني للعمل البانوراما الواسعة التي رسمها قصيري وجولو لحياة الصعلكة والتفحش داخل المدينة, وهي البانوراما الصادقة التي نادرا ما قابلت لها مثيلا في أي عمل فني طالعته من قبل.

فالمدينة بطبيعتها الخاصة التي تشجع على الإنعزال وتعزز الفردانية تشكل فرصة أكبر للمرء على تجربة أكثر الأمور جنونا وفحشا دون أن يخشى من افتضاح أمره, تعطي عبر مساحاتها الشاسعة وروابطها الاجتماعية الأكثر تفككا فرصة للمزيد من الخصوصية والسرية. وبطبيعتها التجارية والاستهلاكية تفرز أيضا بشكل أوتوماتيكي آلاف الأنشطة الغير اعتيادية (قانونية وغير قانونية, أخلاقية وغير أخلاقية) التي تستطيع تلقف الشخص الفرد المنهك التائه في أضواء وظلال المدينة, وتمنحه فرص متنوعة لتجربة أشكال جديدة من المتعة والراحة والإنتشاء والمغامرة, بأسعار (أو تكاليف) متغيرة ومستويات مختلفة تناسب جميع الشرائح التي تسكن أو تعبر بجوانب المدينة.
من المخدرات, والمسكرات, الدعارة, الشذوذ, التحرش, العلاقات الجنسية بالتراضي, أو بغير التراضي, الإلحاد, الجهر بما ليمكن الجهر به في ظروف مختلفة, ميزة الإنخراط في جماعات والاختفاء منها في لمح البصر, السباب, التفحش, العراك, العنف, ووصولا إلى القتل, دون أن تنتهي القائمة.

عشت في القرية جانبا طويلا من حياتي, وفي البناء القروي المحافظ والمتدين كانت هناك طقوس تصعلك وتفحش واضحة, لكنها كانت محكومة بالبناء الاجتماعي المتماسك للقرية, حيث الجميع يعرف الجميع, وكان التفحش يتم أغلب الوقت بشكل جماعي في اتفاق غير معلن. ومنها مثلا تناول البيرة والحشيش في الأفراح, واستقبال الراقصات في الموالد, وحفلات مشاهدة الأفلام الجنسية في جماعات بالمنازل, وكنت أندهش من ذلك الأب –المدرس المرموق الذي يذهب إلى المسجد بانتظام- والذي كان قد جاء بأشرطة فيديو جنسية من الخارج أثناء عمله بالخليج, وكان يجلس مع أولاده المراهقين وأصدقائهم يشاهدون الأشرطة في منزله بشكل طبيعي للغاية. لكن عندما نضجت فهمت أنه كان يمارس حقه في التفحش بالشكل الاجتماعي الذي يراه أنسب, ويمارس حقه في كونه بشرا, لا ملاكا أو شيطانا, هذا وحسب. أيا كان حكم من يحبون إصدار الأحكام.

في المدينة, في القاهرة, ينعتق المرء من كل ذلك, ويصبح أكثر تحررا, وتصبح له حياته السرية وشخصيته الموازية, وتصبح الصعلكة شديدة الجاذبية, لأنه فجأة تدرك أنك يمكنك أن تفعل أي شيئ قد ترغب في فعله بعيدا عن أي أحكام وأي ضغوط وأي رقابة. كنت قابلت الأديب الدكتور "محمد المخزنجي" منذ سنوات, وتطرق حديثنا عن الأدب إلى "نجيب محفوظ", وبانفعال كبير قال المخزنجي: "نجيب محفوظ عربد في سنوات شبابه, ما تفتكرش إنه وصل لنضوجه الفكري ده بسهولة!". لا أقصد هنا أن النضج الشخصي والفكري والعثور على الذات مرتبط شرطيا بالصعلكة أو العربدة, لكن أقصد أنها مرحلة قد تساعد فيها المدينة المرء على التخلص من القيود التي تكبله وتجعله قادرا على تقييم حياته بشكل ما, واتخاذ قرارات في شكل ما تبقى منها. أقصد أن المدينة تمثل "طفرة" ما للشخص, مروره بها يمثل عملية "تحول" قد يتحول بها المرء من دودة تزحف إلى فراشة تحلق, وقد يتحول بها من حمل وديع إلى مستذئب متوحش.

عملية التحول تلك يمكنك أن تتبعها في الرواية بدقة خلال شخصية الضابط "نور الدين" مثلا الذي تمثل له عملية التحقيق في مقتل فتاة الليل "أرنبة" ومقابلته للثلاثي العبثي "جوهر"/ "الكردي"/ "يكن" الحلقة الأخيرة في عملية "التحول" تلك, لنرى كيف سيترك كل شيئ وراءه في النهاية, ليستكشف مرحلة جديدة من حياته, مرحلة الشحاذ النبيل.

العمل الاستثنائي ترجمته من الفرنسية للعربية الدكتورة منى صبرى, وصممه ككتاب فاخر وأنيق الفنان "شناوي", ونشرته مؤسسة "الفن التاسع" التي تعني بترويج ثقافة الكوميكس, بدعم من برنامج "طه حسين" لدعم النشر بالمعهد الفرنسي بباريس والمعهد الفرنسي بمصر.
Source