graphic artists in the arab countries

"تازَرْكَة" الشريط المصوّر مهرجان يتحدّى المستحيل فنّانون متضامنون جاؤوا لتأكيد الهويّة والتمايز

مهرجان الشريط المصوّر في تازَرْكَة (تونس) لم يكن يوماً على خريطة المهرجانات العربيّة والدوليّة الخاصة في هذا الفنّ. ربّما لأن مؤسسه المناضل السياسي والمثقّف أبو السعود مَسْعَدي، أراده قبل 22 عاماً منصّةً للفنون الأدبيّة والبصريّة في بلدته الصغيرة الواقعة على الشاطئ الغربي البعيد عن العاصمة التي غالباً ما تظَلِّل ما عداها أو تلغي أدوارها. لكن الأمر اختلف قبل عامين مع مجيء جيل من الشباب المتحمِّس اجتمعوا حول مؤسّسة "دائرة أصدقاء الصّورة"، ومغامرين من فنّاني تجمُّع "مَخبَر 619" الطليعي في مجال الشريط المصوّر الحديث.

المهرجان الذي جاء السنة تكريماً لمؤسّسه (كُرِّسَ له معرضٌ في دارته المحدَّثَة تحيّة من الفنّانين)، أراد أن يرفع التحدّي إلى مستوى أكثر اختصاصاً ويجعله يركِّز على الشريط المصوّر وفنون التحريك والصورة الفوتوغرافيّة، وإن كان تأكيد الأول أكثر وضوحاً. وَرشات عمَل أدارها فنّانون متطوعّون جاؤوا من العاصمة والخارج ليزرعوا في عقول ومخيّلات أولاد البلدة مبادرات فنّية لا تُقدِّمها المدارس في العادة. من بلجيكا جاء الفنّان المخضرم صبري قصبي وشخصيّته المعروفة "سعيد"، التي جالت أزقّة البلدة يوم الافتتاح وفي ليل الختام يحضّ الصغار على الانخراط في ورشات العمل. أيمن مباركي وعلاء الدين أبو طالب أدارا ورشة التحريك التي أنتجت مقاطع قصيرة حول موضوع سلامة السير، فيما أخذ حميد الدين بوعلي الآخرين في مغامرة فوتوغرافيّة في أرجاء المدينة وعلى الشاطئ الذي تتنفَّس منه. جرى عرض المشاريع في الليلة الأخيرة للمهرجان بالتزامن مع اشتراك المحترفين من فنّاني الشرائط المصوّرة في مبارزة الـ Tac-O-Tac القائمة على مبدأ أن يبدأ رسّام برسمة، على أن يليه الآخر ويُكملها لتنتهي النتيجة إلى قصّة غير متوقّعة وموقّعة من الفنّانين المشاركين.
الحدث الأهمّ كان المعرض الذي قُدِّم بالتعاون مع مؤسّسة "الفنار" الإسبانية وجَمَعَ صفحات شرائط مصوّرَة من رسوم الفنّانين العرب من الجيل الجديد بحسب التجمّع- المجلّة التي ينتمون اليها: "مخبر 619" و"صوبيا" (تونس)، "السمندل" (لبنان)، "سكف كف" (المغرب)، "توك توك" و"جراج" (مصر)، إضافة إلى بعض العلامات من الجزائر وليبيا والعراق. وأقيمت، لإعطاء المهرجان صفة التخصُّص والمتابعة لشؤون الشريط المصوّر ومشكلاته، ندوتا حوار، الأولى حول القراءة السياسيّة لتاريخ هذا الفنّ وخضوعه للأنظمة التوتاليتاريّة التي سادت منطقتي المشرق والمغرب على مدى عقود، والتمرُّد الذي قاده الفنّانون الشباب، كلٌّ في بلده للخروج بتجارب خاصة بكل مجموعة. وإن التقت هذه المجموعات، فعلى قاسم مشترك في الدعوة إلى التحرُّر والتجديد. أما الثانية التي كانت أكثر محليّة فتناولت شؤون رعاية الفنّانين وحمايتهم وكيفيّة تقديم الدّعم المؤسّساتي لهم وخصوصاً بعد انهيار نظام الدول الراعية التي لم تكن كما يبدو مطابقة للصورة التي رُوِّجَ لها.
إذا كان مهرجان "تازَرْكَة" شبيهاً بالمهرجانات الأخرى التي بدأت تتوزَّع العالم العربي من حيث ما تُقدِّمُه بالنسبة إلى فن الشريط المصوّر الذي بدأت ترافقه فنون التحريك (لبنان لا يزال عن حقّ يفصل بين الإثنين)، فهناك روحٌ تطغى على الزائر بدأنا نفتقدها في غيره. الحماسة والعمل التطوّعي هم الحاملة اللوجستيّة من رأس الهرم، من المنظمين (أنيس مسعدي للتنظيم والفنان سيف الدين ناشي للإدارة الفنيّة) إلى الشباب والشابات (وهنّ كثيرات) الذين يعملون من دون كَلَل حتى ساعات الصباح الأولى، سواء لمواكبة الترتيبات والمدعوّين أو للتوثيق حيث تنتشر الكاميرات المحمولة تغطّي كل النشاطات واللقاءات وحالات الاسترخاء. هذه الروح أعطاها زخمٌ أكبر وجود الفنّانين المحليّين الذين جاؤوا من تلقائهم وعلى نفقتهم لدعم هذه التظاهرة.
لافتة أيضاً روح التضامن بين المُنظّمين والفنّانين من مختلف الاتجاهات الفنيّة التي قد تكون متعارضة، وكأن الجميع يريد لهذه التظاهرة أن تستمرّ بالشكل والهدف اللذين تكرّسا قبل عامين، وحمايتها من العودة إلى الوراء. فلا مجال للصراعات الخفيّة أو المُقاطعات أو التفرقة. ربّما لهذا أيضاً علاقة بـ"الروح التونسيّة" التي لا تزال تناضل وتنزل إلى الشوارع من دون كَلَل منذ الشرارة الأولى للثورات العربيّة. الفنّانون لا يزالون هنا ينتجون بإصرار وتحدٍّ بعيداً عن أي إحباط قد يدفعهم إلى الهجرة (كما الحال في لبنان ومصر). يجاهرون بخطابهم النقدي السياسي أو الاجتماعي اللاذع، من أمثال سليم زرّوقي (جزائري متزوّج ومقيم في تونس)، أو يكسرون حواجز التقليد الفنّي ويذهبون في الاختبار إلى حدّ التساؤل عن مكوّنات الشريط المصوّر ومضامينه، من أمثال نهى الحبيِّب وعصام سميري ومُعَزّ طابية وكمال زاكور وسيد علي ديقار وناديا دهب الذين جعلوا من "مَخبَر619" فضاءً للتجريب والابتكار سواء على صعيد السرد القصصي (غبير القاسمي) أو الشكل التجريبي المغامر.
"تازركة" مختلفٌ أيضاً في الإصرار على استقلاليّته من حيث الموارد، فلا وجود لأسماء مراكز ثقافيّة أجنبيّة ترعاه مثل المركز الثقافي الفرنسي أو معهد غوته أو مبادرات الدّعم الأوروبيّة كما الحال في مصر ولبنان. فالتمويل هو من جهات محليّة في القطاع الخاص (يُذكِّرُنا بتجربة "سكِف كِف" المغربيّة) بما يؤمّن الاستمرارية، إلى تعاضد الهيئات المحليّة والبلديّة في تأمين أماكن المعارض وورشات العمل (باحات وغُرَف المدارس الرسميّة) وعروض الأفلام والرسوم الحيّة من الرسّامين (باحة شرطة البلديّة!). مهرجان لا يؤمن بمنح الجوائز والمسابقات ويؤكّد القائمون عليه أن هدفه نشر الشريط المصوّر والتعريف بإنتاجاته المحليّة والعالميّة.
يبقى العصب الأساسي قائماً على الفنّانين المشاركين وخصوصاً الذين لم يتردّدوا في الحضور شخصيّاً للمشاركة في النشاطات المختلفة. وإلى الفنّان الرائد سيف الدين ناشي الذي شكّل العنصر الجامِع والمحرِّك للمهرجان، طغى الحضور القويّ لفنّاني "اللاب - LAB" (كما يُعَرَّفُ بهم) من "مَخْبَر619" الذين لم يترددوا لحظة في مدّ يد العون لإنجاح هذه التجربة المتجدِّدة والمشاركة الفاعلة في النقاشات حول التجربة التونسيّة في الشريط المصوّر وخصوصيّتها، بالمقارنة مع تجارب المحيط المماثلة. تجمُّعٌ أقرب إلى "السمندل" اللبنانية لجهة الاختبار الفنّي، لكن مع التأكيد أن يبقى التجريب من ضمن الشريط المصوّر، ويقترب من صرامة "سكِف كِف" في انتقاء المواضيع وأعمال الرسّامين. يتميّز بالإصرار على "ديموقراطيّة" البنية التأسيسيّة للجماعة والنقاش المفتوح المستمرّ في كلّ مرّة يُحاولون خوض تجربة جديدة تحدِّد الاتجاه الذي سيُتَّبَع في الشكل والمضمون. ما يجعَل هموم "مَخْبَر619" أقرَبَ إلى التجربة الفنيّة البصريّة التي يأتي فيها استهداف أو استرضاء الجمهور في المرتبة الثانويّة إذا وُجِدَ. من هنا نبقى كمتلقّين في انتظار مفاجأة في كل مرّة يستعدّون فيها لإطلاق أحد أعداد مجلّتهم التي تحمل اسمهم.
تازركة، البلدة الصغيرة البعيدة عن المركز، أكّدت حضورها مع النسخة المُحدَثة لمهرجانها للشريط المصوّر، ووجّهت رسالة تحدٍّ إيجابيّة ضد الإحباط لتقول إن نجاح مهرجان لا يقوم بالضرورة على الموازنات الضخمة أو انتظار رعاية ثقافيّة من جانب الدولة أو المراكز الثقافيّة، وإن الوصفة السحريّة تكمن في حماسة الفنّانين والتزامهم وإرادة "من حجر" تتحدّى المستحيل.
"تازركة"، كما الثورة في تونس، لا تزال تتحدّى المستحيل.
Source