graphic artists in the arab countries

«غزّة تحت الضوء» ثلاثة أفلام وثائقية تتغلغل في المساحات النفسية للبشر

بيروت – «القدس العربي»: «غزّة تحت الضوء» لفتة خاصة من مهرجان «أيام بيروت السينمائية» في دورته العاشرة إلى فلسطين المقصية من اهتمامات السياسة العربية. ثلاثة أفلام لمخرجين أوروبيين تمكنوا من دخول غزّة، نقلت واقعاً قاسياً عن بشر يعيشون حصاراً منذ سنوات طويلة، وفي بقعة جغرافية صغيرة.
أفلام أضاءت على حياة الناس في ظل الحروب الصهيونية المتلاحقة، وعلى الصراع اليومي من أجل البقاء في ظل خوف مقيم.
«دار النمر» للثقافة والفنون وبدعم من مؤسسة التعاون أوجدت لأيام بيروت السينمائية مساحة عرض جديدة حيث استقبلت أفلام «غزّة تحت الضوء» وغيرها، والتي تميزت بإقبال لافت.
كذلك وبدعم من مؤسسة التعاون عُرض «درب سموني» في مخيم البداوي في طرابلس، ووصف التفاعل بالشيق جداً رغم انقطاع الكهرباء في بدايته لبعض الدقائق. في بيروت كما في البداوي عرض الفيلم بوجود مخرجه الإيطالي ستيفانو سافونا، والناقد الإيطالي في صحيفة «بارايتي ياي وايزبرغ» وهو معروف بدعمه للأفلام العربية.
«درب سموني»، وثائقي من 129 دقيقة، تغلغل في المساحة الجغرافية والنفسية لعائلة السموني، التي فقدت في مطلع عام 2009 بحدود 29 من افرادها، فيما أصيب آخرون حين قصف المنزل الذي كانوا يختبئون فيه. يركز المخرج على الطفلة أمل التي تتذكر والدها الشهيد.
وتحاول رسم معالم المكان قبل العدوان عليه، وتعجز عن تحديد مكان شجرة الجُميز الكبيرة والتي تعود ل150 سنة مضت.
شريط يحمل الكثير من الذكريات مع واقع أليم. أطفال ويافعون يتجولون على أنقاض منازلهم، يتذكرون ما زرعه الأباء والأجداد ويقررون «بدنا نحافظ عليهم». صور الشهداء ترافقهم في المنازل وخارجها.
الأطفال يجدون في الرسم وسيلة تعبير، يرسمون الآباء والإخوة الشهداء. يرسمون في المنازل، وخارجها، على الرمل أو ألواح الزينكو.
يعتمد المخرج الصور المتحركة كجزء أساس من تقنية شريطه الوثائقي وتستأثر بلحظات القصف بالطائرات، وبأصوات الإنفجارات المختلفة. وإليها يلجأ مجسداً أية من سورة الفيل في القرآن تقول (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل… ترميهم بحجارة من سجيّل). هو الفيل الهائج المائج يتلاشي ويضمحل تحت فعل الحجارة. أما الأطفال وهم يسمعون فيسألون «حجارة من سجيّل» يعني صواريخ؟ في 7/1/2009 ارتكب الصهاينة مجزرة بعائلة السموني، من بقوا على قيد الحياة يتذكرون التفاصيل، ويعيشون ندوبها. وجوه متحسّرة، عيون نادراً ما تعرف الفرح، والجميع مصمم على البقاء في ارضه «لمين نتركها»؟ يرددون. ومع ذلك يتزوجون ويفرحون ويزفون العريس. «درب سموني» ينقل من التقاهم إلى لحظات مريرة. صور تتكرر بعيون الأطفال، وسؤال عن الحق بالحياة الآمنة ينتهكه الصهاينة، فيما عيون العالم تشيح، أو تسال عن أمن المعتدي. شريط يشكل التفاتة غربية لقضايا العدل المفقود في القضية الفلسطينية، من شأنه أن يثير نقاشاً ويسلط الضوء حيث يراد للعتمة أن تسود. من اسبانيا إلى الضفة الغربية وغزّة سافر المخرجان خوليو بيريز وكارليس بوفر لتصوير الفيلم الوثائقي القصير «غزّة» 18 دقيقة. فيلم شكل بالنسبة لهما رحلة إلى المكان المحاصر. التقيا الناس مباشرة، ووقفا وجها لوجه أمام انتهاكات حقوق الإنسان الدائمة، سواء في حالات الحروب أو الحصار.
هذا الفيلم الذي حاز على جائزة «غويا» لأفضل فيلم وثائقي قصير جاء بمثابة شهادة حية على نتائج الحروب المتواصلة التي يعيشها سكّان القطاع. شهادات من بيت حانون وغيرها من المناطق المتاخمة للمستوطنات المزروعة على حدود غزّة. سكان يروون ويشيرون الى اطفالهم المحرومين من الأمان، منازلهم المدمرة، ومزروعاتهم المستباحة. ويصرون على البقاء.
يشير المزارع «هذا الزرع رشوه بالطيران رديت وزرعتو من تاني.. حنضلنا شغالين.. حرام نترك أرضنا.. لمين نتركها؟ لليهود؟ مستحيل».
في وثائقي «غزّة» لفتته إلى القطاع الصحي، وإلى الأطفال الذين تركت فيهم الحروب الصهيونية اصابات دائمة، كما «صُهيب» الذي باتت عيناه مسمرتان دون حراك. عينا صُهيب تصرخان بكبر حجم تلك الجريمة بحق أهل غزّة.
فيلم «أبولو غزّة» 79 دقيقة ينتقل إلى مقاربة فنية ثقافية وتاريخية، ولا تغيب عنه حياة الناس في ظل الحصار.
حياة لا يمكن اغفالها مهما كان المستوى الاجتماعي للناس. «أبولو غزّة» للكاتب والمخرج والمنتج السويسري نيكولا فاديموف، والذي سبق له وقدم «القفّازات الذهبية لعكا».
يقتفي المخرج أثر تمثال أبولو الذي تمّ العثور عليه في بحر غزّة سنة 2013. يتعقب كل من شاهده بدءاً من الصياد الذي أخرجه من البحر بمساعدة آخرين، وصوله إلى صائغ ذهب وامضائه بضيافته حولى 20 يوماً، ومن ثم تبخر، ولا جديد عنه. فأبولو التمثال البرونزي العاري يزن بحدود 300 كلغ ويعود للحقبة اليونانية.
إلى جانب المثابرة بالسؤال عن أبولو لدى مقتني ومرممي الآثار المتعددين في غزّة، والذين كانوا يجهلون مصيره، ويصرون بأنه من غزّة ولها، ومن تاريخها الغني، ولم يأت عبر الأنفاق من سيناء، فقد نقل الفيلم صورة مغايرة ومختلفة عن غزّة. فغزّة التي ينقلها لنا التلفزيون هي دير البلح، مخيم الشاطئ، بيت حانون وغيرها. وفي غزّة حياة أخرى سجلها هذا الوثائقي. هناك من يجمعون الآثار ويحمونها للمستقبل، وهناك من يرممها باحتراف عالٍ، وهناك الخبير العارف بما تكتنزه هذه الأرض من تاريخ، وينظر للمستقبل بأمل. حكاية التمثال «أبولو» شغلت علماء الآثار ليس في غزّة وحسب بل في بلدان أوروبية. خبيرة في الآثار من غزّة افادت بمشاهدتها للتمثال مرّة واحدة ولدقائق وعصفته: صعقت بجماله، عضلات مفتولة وجسمه مشدود. خلال التدريس نشرح للتلامذة عن تلة الإله ابولو في غزّة هو معبد قديم.
المؤسف في تمثال أبولو رغبة من انتشله من البحر في أجر يسمح له بتحسين حياته. وآخرون يتمنون عدم وصوله للاحتلال. اهتمام العالم بهذا التمثال وبخاصة اليونسكو يزيد عن الإهتمام بالشعب الفلسطيني. أبولو غائب عن الأنظار حتى اجل غير مسمى فهل يصبح ميثولوجيا؟ أن يكون موجوداً هو الأهم لأنه جزء من تاريخ شعب هناك من يسعى لطمسه او مصادرته. وسيظهر يوماً.
Source